نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٤٢٤

وقد تعرضت الآية لبعض العادات الجاهلية مما يتصل بعبادة الأصنام إذ كانوا يشقّون آذان الأنعام التي يتقرّبون بها إلى آلهتهم علامة على تحريرها لهذا الغرض بعد أن تتوفّر فيها الشّروط المطلوبة، كما يأتي تفصيل ذلك في سورة المائدة. وكل ذلك من عمل الشّيطان ما أنزل الله به من سلطان. وبعد تخصيص هذه العادة يأتي التّغيير لخلق الله بصفة عامّة ليشمل كل تغيير حسّي أو معنويّ يقوم به البشر بإيحاء من وسوسة الشّياطين، مما يخالف شرائع الله أو يشوّه الصّورة التي خلق عليها مختلف المخلوقات، بالأخصّ خلقة الإنسان التي أبدع الله صورتها في أحسن تقويم.

ثم يأتي هذا التّذييل المناسب: (وَمَنْ يَّتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً)، إنه العدول عن دين الفطرة السّليمة حين يصبح الإنسان في زمرة الشّياطين يأتمر بأوامرهم وينتمي لحزبهم ناسيا الله ربّه ناكثا لعهده فهو في خسران مبين لا شكّ فيه ولا غبار عليه.

(يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً): الجملة استئناف بيانيّ لما سبق، جاءت على صيغة المضارع لتفيد الاستمرار، كما حذف منها المفعول لتكون شاملة لكل الوعود الكاذبة التي يتفنّن الشّيطان في حبكها تبعا للمبرّة التي يريد أن يصدّ عنها، والوعد الكاذب لا يفيد إلا الغرور وهكذا فتنة الدّنيا كلها غرور كما قال تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185).

(اَوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً): الإشارة إلى ذلك الصّنف المأخوذين بوعود الشّيطان، أشيرَ إليهم لتنبيه السّامعين إلى ما يكون لهم من عذاب جهنم وأنهم أحرياء بذلك، لا ملجأ لهم يحيصون إليه للنّجاة منها.

١٬٢٨٧ / ٦٬٧٦٧