سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٢٩(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ اِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ، الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمُ، إِلَيْهِ رَاجِعُونَ): لقد تأكّد استفحال مرض النّسيان في نفوس بني إسرائيل بتخلّيهم عن عاملين أساسيين للانتباه والتّذكّر:
فالأوّل هو الكتاب الذي يتلونه وكان من المفروض أن تذكّرهم مواعظه وزواجره، والثاني هو العقل الذي جعله الله ضابطاً لنزوات الإنسان وهادياً إلى ما فيه الخير والصّلاح، فالعلّة -إذن- مستفحلة والدّاء عضال، فما هو العلاج؟.
الإنسان المريض يفقد قدراً من طاقته الحيويّة التي تقدره على تدبير شؤونه وقضاء حوائجه، فهو في حاجة إلى الاستعانة بشيء يعوّض له تلك الطّاقة المفقودة حتّى يعود إلى توازنه الطّبيعي، فما أبلغ التّعبير بفعل "الاستعانة" بهذا الدّواء الروحي الموصوف في الآية، (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ).
أ) - فالصّبر كما يصفه علماء الأخلاق، هو حبس النفس على ما تكره، بحيث تحتمل المكروه بنوع من الرّضا والاختيار والتّسليم، وذلك في المفهوم الشرعي لقول رسول الله:» الصّبر نصف الإيمان «(1)، وهذا النوع من الصّبر يحصل للمؤمن بتذكّر وعد الله ووعيده واستحضار عظمته والشعور بجلال هيبته، والإيمان بقضائه وقدره، في خير أو شرّ، وقد أشاد القرآن بخُلق الصّبر في غير ما آية ووعد الصّابرين بالجزاء الأوفى فقال تعالى: (اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10).
(1) - هذا الحديث موقوف على بعض الصحابة كعبد الله بن مسعود، وروي من قول الشعبي ومغيرة، وهو الأصح، وورد مرفوعاً في مسند الشهاب عن أبي وائل عن أبي عبد الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:» الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله «حديث 158، (1/ 126).