سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٢٨واليهود المخاطبون في هذه الآيات الكريمات هم أكثر النّاس اتّصافاً بهذا الخلق الذّميم، سيما أحبارهم ورهبانهم الحاملون لمسؤولية التّوعية والإرشاد، إذ وقعوا في هذا المزلق الخطير ففسقوا عن أمر الله وحرّفوا الكلم عن مواضعه فوبّخهم في هذه الآية الكريمة بهذا الاستفهام الإنكاري إذ قال: (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):
فالخطاب موجّه لجميع بني إسرائيل باعتبارهم حملة كتابِ، فيكون المقصود من لفظ (النَّاس) هم غيرهم من العرب والأمم الأخرى، فإذا كانت المسؤولية تتحدّد بحسب المنزلة الاجتماعية والثّقافية لدى كلّ المجموعات البشريّة، فإنّ علماء اليهود وأحبارهم يتحمّلون القسط الأوفر من هذا التّوبيخ، فقد ثبت تاريخيّاً أنّهم يأمرون وينهون وفق ما يأمر به دينهم ويذكّرون غيرهم من النّاس سواء أتباعهم في الدّيانة اليهودية أو غيرهم من الملل الأخرى، ولكن ذلك التّذكير لا يتعدّى الأقوال والمواعظ، وبالتّالي لا يكون له أثر في قلوب المأمورين، والدّعوة مهما كان خيرها وصدقها تفقد فعاليتها في واقع النّاس المدعوّين لها، إذا لم تتجسّد في السّلوكات والتّصرّفات من الدّاعين لها، والنّسيان مرض نفسي تخفّ وتثقل حدّته تبعاً لقيمة المنسيّ، ولا أغلى على الإنسان من نفسه التي بين جنبيه، فهو لا يمكن أن ينساها مهما بلغت به الغفلة منتهاها، لأنّ نسيانها يدلّ على مدى استفحال ذلك المرض في نفس صاحبه، وبما أنّ الذاكرة وما يطرأ عليها من النّسيان هي من أعمال العقل ناسب أن يكون التّذكير بنعمة العقل ووظيفته فقال تعالى: (أَفَلاَ تَعْقِلُون).