نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٤٧٧

ومثل هذا الطّلب وقاحة وجراءة على قدرة الله تعالى وجلاله، وانتقاص بمنزلة الرّسالة والنّبوءة، ولذلك جاء نص الآية على موجب العقاب الذي تلقّوه من الله بأنه الظّلم "بظلمهم" فقد أماتهم الله بالصّاعقة، ثم أحياهم كما ذكرت ذلك آية البقرة في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ، ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:55 - 56) وليتهم ارتدعوا بذلك، بل لجوا في عنادهم، فارتدّوا إلى الكفر بعبادتهم للعجل، وتلك خسيسة أشنع من سابقتها، إذ ظلوا وكفروا على هدى: (مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (البقرة:213) ومع هذا الظّلم العظيم، عفا الله عنهم وهو القادر على استئصالهم بعد أن قامت عليهم الحجة وحقت كلمة العذاب، فأيّد الله موسى وآتاه القوة والسّلطان، حتى أنهى تمرّدهم فأحرق العجل وعادوا إلى عبادة الله.

ثم ذكر الله مواقف أخرى لإصرارهم وعنادهم، وهي أنهم قد همّوا بنقض ميثاقهم مرة أخرى فرفع الله فوقهم جبل الطور حتى ظنوا أنهم واقع فوق رؤوسهم، ثم تردّدهم في دخول باب القرية التي أُمروا بقتال أهلها، كما يأتي تفصيل ذلك في سورة المائدة.

(وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعَدُّوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً): وذلك أنهم نُهوا عن العمل والكسب يوم السّبت ولكنهم تعدّوا أمر الله بصيد بعضهم للسمك فيه، وتفصيل ذلك في سورة الأعراف.

وأخْذ الميثاق منهم، كناية عن توثق العهد الذي أخذ الله منهم أن يقيموا دينه وينصروا رسوله موسى بعد أن توالت عليهم المعجزات، ولكنهم مع ذلك كانوا في كل مرة ينقضون عهد الله، وينصر الله موسى عليهم.

١٬٣٤٠ / ٦٬٧٦٧