سورة النّساء
الجزء ٤ · صفحة ٤٧٦بعدما تقدم من الوعيد لأهل الكتاب وتهديدهم على ما لفقوه من المعاذير في إنكارهم لرسالة سيدنا محمد عليه السلام تعرّض الله في هاتين الآيتين لبعض جهالاتهم في سؤالهم لرسول الله أن ينزل عليهم كتابا من السّماء على غرار ما تنزّل لموسى من الألواح الحاملة للوصايا العشر، وهم إذ يسألون ذلك لا يريدون الاهتداء والاسترشاد، بل يقصدون التّعجيز والتّعنّت والعناد، والذين سألوا ذلك هم آباؤهم وأسلافهم، وهؤلاء الأخلاف هم على شاكلة أسلافهم من فظاظة أخلاقهم وسوء معاملتهم لرسلهم، لأن الطّبائع والأخلاق تنتقل في الأمم والشّعوب بين أجيالها عن طريق الوراثة والتّقليد، ألا تقرأ قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) (الزّخرف: 23).
قال الله تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً): تسمّى هذه "الفاء" بالفصيحة، يسبقها عادة ما يدلّ على معنى التّعجيب، فيؤتى بعدها ما يخفّف من ذلك في نفس السّامع، فإن الرّسول الله عليه السلام قد يحزّ في نفسه تعنّت هؤلاء في ما يطلبون من معجزة إنزال الكتاب، وهو لا يملك أمر ذلك، إذ المعجزات لا تأتي إلا بإرادة الله، وقد علّمه ربه أن يجيب في مثل هذه الطّلبات المعجزة: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً) (الإسراء: 93) فقد بكّتهم الله في سؤالهم هذا بتعداد مواقفهم المخزية أمام الرّسول الذي آمنوا به، إذ لم يكتفوا بنزول الألواح عليه من السّماء، بل سألوا موسى ما هو أعظم من ذلك، إذ طلبوا منه رؤية الله معاينة، وهم لا يريدون بذلك التّيمّن والبركة، ولكنهم يقصدون الإعنات والتّعجيز.