نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٤٩٥

وكان من تمام عدله تعالى أن لا يؤاخذ النّاس بما اقترفوه من ذنوب وآثام، ولم يكن قد بعث فيهم رسولا، قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء:15). ويقول تعالى مخاطبا رسوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُو الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) (السّجدة:3). ألا ترى كيف أن الله علّق رجاء الهداية بإنذار الرّسول لقومه، لأنهم لم يأتهم نذير من قبل.

غير أن الذين قالوا بأنه يمكن للعقل وحده أن يهتدي إلى معرفة الله، أو أنه يدرك حسن الأعمال وقبحها، فإنهم يرتبون على ذلك مؤاخذة الله بحسب ما يدركه ذلك العقل، إن هو تخلّى عن تطبيق ذلك عملا أو تركا، ولكن المفهوم من الآية الكريمة يرجّح القول الأول من أن الله تعالى لا يؤاخذ النّاس إلا إذا أقام عليهم الحجة بإرسال الرّسل وإنزال الكتب، لأن ذلك النّوع من العقول النّاضجة التي يمكن لها التّعمق في النّظر والتّأمّل، لا تكون إلا للأفذاذ من الرّجال القلائل مثل الفيلسوف "أرسطو" في الزّمان القديم، ومثل"أنشتاين" في العصر الحديث، وكلا الرّجلين لم يتوصّل بعقله المحض أن يرسم الصّورة المثلى للإله المعبود كما جاء في مواصفات القرآن الكريم، ولم يتوصّل "أنشتاين" إلى الإقرار بوحدانية الله إلا في أخريات عمره، ومن ثمّ قال قولته المشهورة: "قليل من العلم يوصل إلى الكفر، وكثير من العلم يهدي إلى الإيمان".

١٬٣٥٨ / ٦٬٧٦٧