سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٣٦ولماّ كانت هذه الأحداث التاريخية لبني إسرائيل بتفاصيلها غير معروفة لدى رسول الله إلا عن طريق ما يوحى إليه، فإن تذكير القرآن بها لبني إسرائيل يكون باعثا لهم على الإيمان والتصديق بالرسالة المحمدية لو كانوا ينصفون.
والخطاب في الآية المعطوفة على ما قبلها لبني إسرائيل، وهي تفصّل ما أجملته الآية السابقة الممهّدة - كما تقدم - ويتمثل ذلك التفصيل في سلسلة الأحداث التاريخية المتعاقبة زمن أسلافهم، ويخاطب بها اليهود في وقت التنزيل على اعتبار أن نعمة الله على الأسلاف هي نعمة على الأخلاف لأنهم سبب بقائهم، وذلك يوجب شكر تلك النعمة، وأولى تلك النعم:
أ ـ إنجاؤهم من آل فرعون، وفرعون هو لقب كل من ملك مصر، كقيصر بالنسبة للروم وكسرى بالنسبة للفرس، وآله هم حاشيته من الأقارب والموالي والأعوان أيّا كانت مسؤوليتهم، وإنما جعل التنجية منهم على اعتبار أنهم ينفذون أوامر الملك، وقد يتعسّفون في التنفيذ فيتجاوزون حدود ما أُمِروا به كما هو واقع الولاة والأعوان في كل زمان ومكان، وقوله تعالى: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) تقع موقع الحال من الجملة السابقة، لأن التنجية لا تكون إلا من وضعية شديدة قاسية المعبّر عنها بسوء العذاب المبيّن بقوله تعالى: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ)، وهل أقسى على الإنسان من أن يرى فلذة كبده تذبح وتقطع؟، وهل أخزى له من أن يرى شرفه وحرمته تداس إذ تغتصب منه زوجه ليستمتع بها غيره؟.