سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٣٥بعد التمهيد بذكر تفضيل الله لبني إسرائيل تحفيزا لهمهم إلى عليا المراتب في الفضائل والأخلاق الحميدة، ينتقل السياق إلى بيان النعم التي أنعم الله بها عليهم في مسار رحلتهم التاريخية، خروجا من مصر وانعتاقا من جبروت فرعون ودخولا ثم استقرارا في الأرض المقدّسة بفلسطين، وكيف غمرهم الله بألطافه، وهم يتعرّضون لأنواع من المحن والبلايا ثم الإنعام عليهم بالعفو والمغفرة في كل مرة وهم يرتكبون أنواعا من الذنوب والخطايا فقال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِّنَ -الِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلآَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ).
كان مبدأ استقرار بني إسرائيل بمصر عند تنقل يعقوب وأبنائه إلى مصر وظهور أمر يوسف عليه السلام على مملكتها، فهم وإن اختلطوا بالمصريين القدامى فقد حافظوا على مقوّمات شخصيتهم من دين ولغة وتاريخ وعادات، فلم يعبدوا آلهة المصريين، غير أن العلائق الاجتماعية بينهم ظلت حسنة قرونا حتى تغلب ملوك المصريين على ملوك العمالقة وطردوهم من مصر ثم ملكوا جميع البلاد -مصر العليا ومصر السفلى في الصعيد- وقويت شوكتهم، حتى ساءت العلائق بينهم وبين الإسرائيليين فقهرهم القبط وسخّروهم في أشق الأعمال لخدمة الأرض وتشييد المباني فذاقوا الويلات حتى بعث الله موسى عليه السلام لإنقاذهم كما قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الذِينَ اَسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلَهُمُ، أَيِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الاَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ) (القصص:5 - 6).