سورة النّساء
الجزء ٥ · صفحة ٤(أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ): الضّمير يرجع إلى الكلمة التي أوصلها الله إلى مريم بواسطة جبريل عليه السلام عندما بشّرها بأن الله أمره أن يهب لها غلاما زكيا، قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (آل عمران:45). والمقصود بالملائكة جبريل عليه السلام بدليل قوله تعالى في سورة مريم: (فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً، قَالَتِ اِنِّيَ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّا، قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) (مريم:17 - 18 - 19).
وثالث الصّفات لعيسىعليه السلام قوله تعالى: (وَرُوحٌ مِّنْهُ)، وقد أوضحنا في التّحقيق اللّغوي كيف تحتمل الرّوح معاني كثيرة، كما وردت في الاستعمال القرآني، فالرّوح الأمين هو جبريلعليه السلام، والرّوح بمعنى عنصر الحياة في ذات الإنسان، ذكر في خلق عيسى كما ذكر في خلق هذا الإنسان، فقال تعالى في سورة السّجدة: (الذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُو وَبَدَأَ خَلْقَ الاِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُو مِن سُلالَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) (8 - 9). و"من" ابتدائية، وقد اعتبرها النّصارى تبعيضية ليستدلوا بذلك من القرآن على أن عيسى جزء من الإله سبحانه. وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق في ترتيب هذه الأوصاف فقال: "وتصدير جملة القصر بأنه رسول الله ينادى على وصف العبودية، إذ لا يرسل الإله إلها مثله، ففيه كفاية من التّنبيه على معنى الكلمة والرّوح".(1) والله أعلم.
(1) 1 - المصدر نفسه، 5/ 53.