سورة النّساء
الجزء ٥ · صفحة ٩وبما أن العرب في جاهليتهم قد تسرّبت إليهم عقيدة أن الملائكة بنات الله -سبحانه- عما يقولون جاء العطف على المسيح بالملائكة المقرّبين لاستقصاء كل أنواع الكفر والضّلال، فإذا كان الملائكة المقربون لا يستنكفون عن عبادة الله وهم أشدّ قوة وأكثر علما من المسيح، فكيف يدّعي له أتباعه تلك الخصوصية، ووصف "القربى" للملائكة يقول فيه العلامة ابن عاشور: "يحتمل أن يكون وصفا كاشفا، وأن يكون مقيّدا فيراد بهم الملقبون (ـ"الكروبيين"، وهم سادة الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل، ووصفهم بالكروبيين وصف قديم وقع في بيت نسب إلى أميّة بن أبي الصّلت، وقد قالوا: إنه وصف مشتق من كرب مرادف قرُب، وزيد فيه صيغتا مبالغة وهي زنة فعول، وياء النسب".(1)
وهكذا تبدو حقيقة الألوهية ناصعة واضحة في التّصور الإسلامي بنفي كل شبه لذات الله العلية وصفاته وأقواله وأفعاله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُو السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى:11). أما الخوض في متاهات الفلسفة وعلم الكلام في كون الصّفات عين الذّات أو خارجة عنها، أو أن الملائكة أفضل من الأنبياء أو العكس، فذلك من التّرف العقليّ الذي لا يورث يقينا ولا يكشف حقيقة من تلك الحقائق التي هي من عالم الغيب.
ونحن في إيماننا بتلك الحقائق الغيبية نختصر الطّريق إليها بما تنزّل من الوحي ودلّت عليه النّصوص القطعية في نسقها اللّغوي والإيمان بالغيب في ما وراء الطّبيعة المكشوفة هو المرتكز في الحصول على الاطمئنان واليقين، يقول الله تعالى: (أَلَمِّ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ، الذِينَ يُومِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة: 1 - 2 - 3). ويقول: (إِنَّ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (الملك:12).
(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 6/ 61.