سورة النّساء
الجزء ٥ · صفحة ٨/
ب) - التّحقيق اللّغوي:
(يَسْتَنكِفَ): استنكف: أنِفَ الشّيء عن تكبّر واستخفاف، وهو نتيجة لاستكبار الإنسان وغروره بأن يعتبر نفسه أكبر من غيره فينكر الحق ويغمط الخلق. (فَيُوَفِّيهِمُ (أُجُورَهُمْ): التّوفية هي إعطاء الشّيء وافيا بالزّيادة على المقدار المطلوب وذلك من الله عدل، وأما الزّيادة فوق الأجر المستحق فذلك منه تعالى فضل ومنّة.
ج) - البيان والتّفسير:
تنزّه الله تعالى عن الولد وهو الغني له ما في السّماوات وما في الأرض، والمسيح عليه السلام أعرف النّاس بحقيقة الألوهية والعبودية، فلا يأنف أن يكون عبدا لله وهو القائل في اعتراف وتواضع: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيئاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً اَيْنَ مَا كُنتُ) (مريم:30 - 31). نعم هو عبدٌ من جملة العبيد، بكل ما في معنى العبودية لله من تكريم لهذا المخلوق البشري من أن تستذلّه الشّهوات والرّغبات أو يكون عبد المخلوق مثله، وقد رضي المسيح لنفسه هذه الصّفة في إذعان ورضى واطمئنان، فكيف بأتباعه يأنفون ما رضي به لنفسه؟، إن ذلك لسفاهة وحمق لا يتصف بهما إلا من ضلّ وغوى.
والذي جرّ المسيحيين إلى هذا المعتقد الفاسد في سيّدنا المسيح، أن الله تعالى قد زوّده بمعجزات خارقة: إذ يخبرهم ببعض المغيبات، وأقدره الله على إبراء المرضى وإحياء الأموات، ولكن المسيح لم يكن يدّعي تلك القدرة لنفسه حتى يزعم أنه حلّ فيه جزء من الإله تعالى الله عن ذلك، وإنما كان يقول لهم: إن ذلك يفعله بقدرة الله كما صرّح بذلك القرآن في غير ما آية.