نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٥ · صفحة ٢٧

ثم قال: (وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ) أي لا تحلّوا الهدْي، أي الأنعام التي يسوقها الحجاج أو المعتمرون لينحروها في يوم النّحر إلى آخر أيام الحجّ أو العمرة، ولا تحلوا القلائد وهي التي تشدّ على عنق الأنعام علامة على نذرها لله، فلا تغتصب ولا تذبح إلا لما سيقت له، والهدْي ذوات القلائد هي أشرف الهدي عندهم، وقيل: إن القلائد كان أيضا يتقلّد بها من يريد الأمان منهم من عدوّ أو ثأر حتى يرجع آمنا إلى أهله، سيما إذا انتهت الأشهر الحرم، وكان العرب يتقلدون شيئا من شجر الحرم أو لحاها؛ لأجل هذا الغرض أقرّ الله تعالى هذه التقاليد التي درج عليها العرب لأجل استئناسهم إلى الإسلام، وأنه دين السّماحة والرّحمة.

ثم قال تعالى: (وَلآَ ءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً): أي ولا تحلّوا قتال من يقصد البيت الحرام، وهم يبتغون بذلك فضلا من ربّهم: أي يحملون معهم ما يتاجرون به لإصلاح شؤون دنياهم، وابتغاء رضوان الله، إنما يكون بما يعتقدونه من الأجر والثّواب في أدائهم لمناسك الحجّ، والقصة التي أوردناها في سبب النّزول تدلّ على أن المقصود من: (ءَآمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) هم المشركون، كما ذهب إليه كثير من المفسرين، وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة:28). وقال آخرون: بل المقصود بهم المسلمون، وجمع أبو مسلم بين الرأيين فقال: "المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر"، أي الحكم لم ينسخ، ولكن زال ذلك الوصف الذي يناط به.

قال تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ) يدلّ التّصريح بحليّة الصّيد لغير المحرم على أن المانع من حل الاصطياد هو الإحرام، فإذا زال المنع، يعود الأمر إلى أصله من الإباحة.

١٬٣٩٠ / ٦٬٧٦٧