سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٢٨(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ اَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ): نهاهم عن الاعتداء بدافع البغض أو الانتقام لثارات قديمة، أو موقف ظلم سبق، ولقد صدّ المشركون رسول الله وصحابته عن العمرة عام الحديبية، مما آلم كثيرا من الصّحابة بعد عقد الصّلح.
وبعد فتح مكة وظهور الإسلام على الكفر بالقوة والغلبة، لم ينتقم الرّسول لنفسه ولأصحابه، بأن تجاوز في ردع خصومه ذلك القدر من الزّجر والقوة مما تفرضه المواجهة الحربية، حتى إذا استسلموا خاضعين كان من الرّسول صلى الله عليه وسلم ذلك الموقف السّمح مع قومه عندما قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء»(1)، وليس معنى هذا النّهي أنه يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل، لأن ذلك هو القدر المسموح به شرعا في قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ) (النحل:126). وآية سورة الشّورى توضح معنى النّهي هنا بأنه ذلك الاعتداء الذي يتجاوز فيه حدّ العقاب بالمماثلة إلى الانتقام الزّائد عن الحق المشروع، فقال جلّ من قائل: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل، اِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:41 - 42).
فإذا قال المتنبي:
والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد … ذا عفة فلعلّةٍ لا يظلم
(1) 1 - رواه البيهقي في السنن من حديث أبي هريرة، كتاب السير، باب فتح مكة، 9/ 118.