سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٤٣تكرّر حكم الله بحلّية الطّيّبات للمؤمنين، والتّقييد بـ"اليوم" يقصد به ما تقدّم في قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ) (المائدة:3). وإن كان إحلال الطّيّبات هو سابق لذلك اليوم، أي يوم عرفة من السّنة العاشرة، فإن المقصود به هو الإعلان بصفة عامّة نهائية، بإبعاد المسلمين عما كان عليه المشركون من تحليلهم لما حرّم الله أو العكس، وجاء ذلك مناسبا ليأس الذين كفروا من القضاء على الإسلام بعد الفتح المبين وإكمال الدّين.
ذلك هو موقف المسلمين من أهل الشّرك بما فيه من المفاصلة التّامّة في الأعراف والتّقاليد، وقد ثبت فيها حكم الله بضوابط الحلال والحرام، فما هو موقفهم من أهل الكتاب وهم بين ظهرانيهم متساكنين متجاورين ويحسبون أنهم على إيمان بموسى وعيسى؟.
ومن بلاغة القرآن أن يرد العطف هنا من نوع الجملة ليتكرّر حكم الحلية في طعام كل منهما للآخر.
لقد حاولت أن أجد محلّ النّكتة لاختلاف الأسلوب بين الإنشاء والخبر بين الجملتين … فقلت: هل المقصود -والله أعلم- أن يعتبر طعام أهل الكتاب من الطّيّبات التي أحلت لنا؟ وكم كان سروري عظيما عندما وجدت صاحب المنار قد تعرّض لبيان تلك النّكتة البلاغية عندما قال: "والتّعبير بقوله: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) إنشاء لحلّها العامّ الدّائم كما تقدم، ولكنه لم يقل مثل ذلك فيما بعده، بل قال: (حِلٌّ لَكُمْ) وهو خبر مقرر للأصل في المسألتين، مسألة مؤاكلة أهل الكتاب ومسألة نكاح نسائهم، فلم يكن شيئا منهما محرّما من قبل، وأحلّ في ذلك اليوم لا بتحريم من الله ولا بتحريم من النّاس على أنفسهم كما حرّموا بعض الطّيّبات، فهذا ما ظهر لنا من نكتة اختلاف التّعبير وسكت عنه الباحثون في نكت البلاغة الذين اطّلعنا على كلامهم" اه.(1)
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار 6/ 185.