نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٥ · صفحة ٥٣

(فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُ (إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمُ (إِلَى الْكَعْبَيْنِ): لقد ذكرنا في تفسير آية النّساء لقوله تعالى: (لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) (43). ذكرنا أن تلك الآية نزلت في غزوة المريسيع سنة ستّ للهجرة، وأنها هي الأصل في شرعية التيمّم على الأرجح، أما غسل أعضاء الوضوء بهذا التّفصيل فكان معروفا من قبل فرضية الصّلاة بمكة. يقول الإمام ابن عاشور: "فالأظهر أن هذه الآية أريد منها تأكيد شرع الوضوء وشرع التيمّم خلفا عن الوضوء بنصّ القرآن، لأن ذلك لم يسبق نزول قرآن فيه ولكنه كان مشروعا بالسّنة، ولا شك أن الوضوء كان مشروعا من قبل ذلك، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلّ صلاة إلا بوضوء".(1)

قلت: إن الآية الكريمة شرعت الوضوء واقتصرت على ذكر الأعضاء الأكثر استعمالا وتعرّضا للأوساخ، وهي ما اصطلح عليه الفقهاء، أنها من فرائض الوضوء، وبما أن الأمر الإلهي بغسل هذه الأعضاء ويمسح الرّأس سبقه شرط: (إِذَا قُمْتُمُ (إِلَى الصَّلاَةِ)، فهو يقتضي على ظاهره أن الوضوء واجب عند كل صلاة، كما ذهب إليه كثير من علماء الصّحابة والتّابعين ورووا في ذلك أحاديث تدلّ على أن الرّسول كان يلتزم بالوضوء لكل صلاة حتى يوم الفتح وفي غزوة خيبر، حيث صلّى بوضوء واحد، فقال له عمر: «يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله؟ فقال: عمدا فعلته يا عمر».(2)

(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 6/ 127.

(2) 2 - رواه النسائي من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، كتاب الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة، حديث 133، 1/ 86.

١٬٤١٦ / ٦٬٧٦٧