نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٥ · صفحة ٧٢

إذا كانت حالة اليهود بتلك المنزلة في موقفهم من كتابهم بالنّسيان والإهمال فإن من يدّعون أنهم نصارى لا يقلّون عنهم نسيانا وإهمالا، والتّعبير: (قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى) يفيد أن هذه الصّفة انتحلوها لأنفسهم وتسمّوا بها، سيما عندما أصبحت لهم دولة قوية في عهد قسطنطين الرّومي، ولكنهم خانوا ميثاقهم مع الله، وهو أساس التّوحيد، الذي جاء به عيسى ليجدّد عهدهم بعدما زاغوا وضلوا بعبادة الأحبار والرّهبان، لأن الذين نصروا عيسى بحق هم أولئك الحواريّون والبسطاء من الصّيادين الإسرائليين وغيرهم، أما الدولة الرّومانية فقد انحرفت بالمسيحية الحقة إلى ذلك المزيج المعقّد من عقيدة التّثليث التي يعتبرها القرآن كفرا صراحا كما سيأتي -بحول الله-.

ولعل إهمال نصوص الإنجيل مما سمعه الحواريين من عيسى عليه السلام أوسع وأكثر مما وقع من اليهود، ذلك لأن الأناجيل الأربعة المتداولة في العالم المسيحي تتناول سيرة المسيح عليه السلام وهي مجهولة الأصل والتّاريخ، وقد أورد صاحب المنار فصلا قيّما في هذا الموضوع بعنوان: فصل من ضياع كثير من الإنجيل وتحريف كتب النّصارى المقدسة. فليراجعه من شاء التّفصيل في تفسير المنار: 6/ 289.

وربما تخلّلت تلك السّيرة نصوص من الإنجيل الحق، لأن الله تعالى يقول: (فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ): مما يدل على بقاء الحظ الآخر محفوظا عندهم.

١٬٤٣٥ / ٦٬٧٦٧