سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٨٢جاء الرّدّ الإلهي على هذه الضّلالات بصيغة الاستفهام الإنكاري لتبكيتهم وتوبيخهم على لسان الرّسول: (قُلْ فَمَنْ يَّمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً اِنَ اَرَادَ أَنْ يُّهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ’ وَمَن فِي الاََرْضِ جَمِيعاً)؟؟، أي إن كان ذلك حقا كما تزعمون، فهل في مقدور أحد أن يدفع إرادة الله في إهلاك المسيح وأمّه ومّن في الأرض جميعا؟؟ بل إن عذاب الله واقع، ما له من دافع، والدّليل على أن عيسى وأمّه كسائر المخلوقات لا تملك أمرها أمام إرادة الله، أنهما هلكا بالموت، على قول من يقول بموت عيسى، أو الزّوال من الأرض على قول من يقول برفعه إلى السّماء، وهؤلاء متناقضون مع اعتقادهم في ألوهية عيسى، إذ يعتقدون بقتله وصلبه فداء لخطيئة ءادم -عليه السلام- والصّلب هو أبشع القتل وأقسى الهلاك فلمَ لم يدفعه المسيح عن نفسه إن كان حقا هو الإله؟؟ قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ) (النساء:157). والمقصود بإهلاك مَن في الأرض جميعا، أي النّوع البشري، وما المسيح بن مريم وأمّه إلا من هذا النّوع من المخلوقات التي تخضع لإرادة الخالق في وجودها وهلاكها، وهي كلها ملك لله يتصرف فيها كيف يشاء في الخلق والإيجاد أوفي الإهلاك والإفناء، وذلك ما يفيده هذا التّذييل المناسب: (وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): وفي التّعبير بمشيئة الخلق إشارة إلى بطلان مزاعمهم في المسيح أنه بشر إله لأنه خلق على غير السّنة العامّة في الخلق، أو أنه يقوم بأعمال ليست في مقدور البشر كإحياء الموتى، وقد اعتبر بعض المفسرين هذه الجملة حالية من الجملة السّابقة.