سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٨٦بعد أن أقام الله الحجة على أهل الكتاب وبيّن فساد معتقدهم، وردّ دعواهم وغرورهم بدينهم، كرّر نداءهم هنا بمثل ما دعاهم من قبل وأخبرهم بمجيء الرّسول محمد -صلى الله عليه وسلم- إليهم مثل ما جاء إلى كل العالمين، غير أن بيان الرّسول إليهم قد اختلف في النّدائين وفق ما يناسب موضوع العظة والتّذكير، وقد سبق أن أهل الكتاب يدّعون الامتياز بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن رسلهم من المنزلة عند الله أن أضفوا عليهم صفة الألوهية، فجاء هذا النّداء ليبيّن لهم أنهم ليسوا بدعا من البشر في حاجتهم إلى من يعلّمهم ويذكّرهم، كما أن محمدا ليس بدعا من الرّسل في أصل البشرية، وفي اختيار الله من يشاء من عباده، ليكون أمينا على رسالته فقد بعثه الله، كما أخبرهم بذلك في كتبهم، بعثة بعد فترة طويلة، أي بعد انقطاع الوحي بعد عيسى -عليه السلام-، تلك الفترة التي اختلف المفسرون والمؤرخون في تحديدها على أقوال مختلفة، ولكنها لا تزيد في أبعد تقدير على ستة قرون، ولم يصرّح بمفعول «يبيّن لكم» ليشمل كل جوانب التّبيين سواء الأحكام التّشريعية مما كانوا يخفونه أو الأخبار الغيبية من علامات الرّسول المنتظر.
(أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ): بيان حكمة مجيء الرّسول هي قطع معذرتهم في نقض مواثيقهم، أنهم قد أمضوا فترة طويلة لم يبعث فيهم رسول يذكّرهم، -إذن- فلا لوم عليهم إذا نسوا وغفلوا.
(فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): أي أن زعمكم باطل، إذ قد جاءكم بشير ونذير يرشدكم ويبيّن لكم، وذلك بفضل الله وقدرته، وما أنتم بمعجزين بعنادكم وإعراضكم، ولسوف يجازيكم الله بذلك حق الجزاء بما يقتضي عدله بين عباده، لا كما تدّعون وتتمنون.