نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

لقد سخّر لهم المنّ يستعيضون به عن الخبز بعد أن تجفّ مادّته الحلوة اللّزجة التي تقع على أوراق الأشجار وصفائح الأحجار يلتقطونها كالدقيق، كما سخّر لهم السلوى لحما طريّا تَنْزِل عليهم طيوره طيّعة فيمسكونها بدون عناء. وتذكر رواياتهم بأنهم تمتّعوا بذلك أربعين سنة وهو ما يزيد عن عمر جيل كامل، فهل شكروا هذه النعمة؟، وهل امتثلوا أمر الله (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)، والإجابة في هذا التعقيب: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

انتقل السياق إلى ضمير الغيبة لقصد الاتّعاظ والاعتبار، وقد وصفهم بالظلم لأنفسهم مما يدلّ على أنهم لم يشكروا تلك النعمة، وأنهم لم يدركوا ما كانوا عليه من عناد وضلال، وذلك لأنهم يظنون أن محادّتهم لله ورسوله سوف تغيّر من تدبير الله وسننه في خلقه، وحاشا الله تعالى، أن تنفعه طاعة خلائقه أو تضرّه معصيتهم لأنه تعالى غنيّ عن العالمين، وتتوالى نعم الله على بني إسرائيل ويتوالى عنادهم … وتماديهم.

(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، فَبَدَّلَ الذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ).

ح) - يتناول السياق تذكير بني إسرائيل بهذه الحادثة التاريخية، وإن كان طرفها الأخير من دخول القرية لم يقع في عهد موسى، بل أتمّه يوشع بن النون، بناء على أن القرية التي أمروا بدخولها هي الأرض المقدّسة التي ورد ذكرها بتفصيل في سورة المائدة، وإلاّ فقد دخل بنو إسرائيل عديدا من القرى قبل استقرارهم بالأرض المقدسة بعد موت موسى.

١٤٥ / ٦٬٧٦٧