سورة المائدة
الجزء ٥ · صفحة ٩٤وأيّا كان الرّجلان الصّالحان حسب مختلف الرّوايات في تحديد أسمائهما، فإن العبرة من وجودهما ضمن أحداث القصة تكمن في توفير الدّعم بهما لسيدنا موسى -عليه السلام- في موقف حرج مع قومه، وأن الله تعالى -جلّت حكمته- لطيف بعباده المخلصين، إذ يؤيدّهم بأسباب النّصر من حيث لا يحتسبون، وإنما التّوكّل على الله بعد اتخاذ الأسباب.
(قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبَ اَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ): لم يتوجهوا بالخطاب إلى الرّجلين الواعظين، لأن موعظتهما لم تجد سبيلا إلى قلوبهم، بل خاطبوا موسى مباشرة لأنه هو مصدر الأمر بالدّخول إلى الأرض المقدسّة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالقتال ومنازلة العدوّ، وهم ليسوا أهلا لذلك، فأكّدوا امتناعهم بعدة مؤكدات حتى لا يكون لموسى مطمع في امتثالهم لأمره، والعلة هي قوة العدوّ وجبروته، ويستمرّ امتناعهم لمدة وجود العدوّ في تلك الأرض، والنّقيصة في الإنسان تجرّه -غالبا- إلى نقيصة أخرى يتستّر وراءها ويبّرر بها موقفه، ولا يعدم الخائف الجبان ذلك النّوع من المبررات في صفاقة ووقاحة: (فَاذْهَبَ اَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ): ويعلمون أن موسى مبلّغ عن الرّبّ- وهم مؤمنون به ولا شكّ– غير أنه إيمان لم يرْقَ بهم إلى ذلك المستوى الذي بلغه صحابة رسول الله عندما استشارهم على القتال في غزوة بدر فكان جوابهم على نقيض جواب قوم موسى في هذا الموقف، فهم يريدونه غنما بلا عزم، وقد تعوّدوا من موسى أن ربّه يستجيب له في كل ما يدعوه به، فليكف عنهم ربّ موسى مؤونة القتال، وليكن القعود نصيبهم.