نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٥ · صفحة ٩٥

(قَالَ رَبِّ إِنِّي لآَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ): وماذا يملك رئيس القوم إذا لم يكن مطاعا من قومه، وحين تنقطع حيلة الإنسان في نفسه أو غيره، فإن المؤمن بالله يجد في كنف مولاه الملاذ الحصين والرّكن الرّكين لبثّ حزنه وشكواه والاعتذار إليه في ما قصرت عنه يداه، فسيدنا موسى أمام ربّه لا يثق إلا في نفسه وفي مؤازرة أخيه هارون كما وعده ربّه بذلك: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيك) (القصص:35). ومن ثمّ فهو يطلب من الله المفاصلة بينه وبين قومه الفاسقين، في حرارة ذلك الدّعاء الحزين تأتي الاستجابة الرّبانية، قال: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الاَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ): كان لهم التّيه والضّلال حيث ءاثروا القعود على أمر الله، وأية راحة يرتجيها التّائِه، وأية لذة للحياة إذا انطفأ مصباح الأمل في النّفوس، وتلك كانت نهاية المطاف لسيّدنا موسى مع قومه، وهم من أرض الميعاد قاب قوسين، إنها لنهاية حزينة، غير أن الله الرّحيم ينهى رسوله أن يأسى عليهم لأنهم مستحقون لذلك العقاب في مدة يخلفهم فيها جيل جديد ينشأ على الشّجاعة والإقدام فيتحقق على يديه وعد الله حسبما قدّره في أجله، فليس موت موسى قبل ذلك بقادح في قضاء الله، والله تعالى يقول: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذِي نَعِدُهُمُ (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) (غافر)

والله أعلم

تم بحمد الله الجزء الثالث ويليه بإذن الله تعالى الجزء الرابع، وأوله ..

١٬٤٥٨ / ٦٬٧٦٧