نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٤

وعلى ذكر أهل الكتاب وحلّية طعامهم للمسلمين ونكاح نسائهم، استطرد السّياق إلى ذكر بعض جرائرهم ومواقفهم مع رسولهم، وتنكّرهم للدّعوة الإسلامية غرورا وحسدا. وبما أن قصة ابني آدم كان مبعثها أيضا الغيرة والحسد، مهّد الله بها لبيان أحكام بعض الجرائم المضرّة بأمن المجتمع، كالسّرقة والقتل والحِرابة، وما قد يتسبّب فيهما من شرب الخمر ولعب الميسر، ممن ينكصون عن تحكيم شريعة الله في تدبير شؤونهم.

ويعجبني ملحظ الإمام ابن عاشور في ذكر المناسبة بين القصتين، إذ يقول في تفسيره: "والمناسبة بينها وبين القصة التي قبلها مناسبة تَماثل ومناسبة تَضادّ، فأما التّماثل فإن في كلتيهما عدم الرّضا بما حكم الله تعالى، فإن بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إياهم بالدّخول إلى الأرض المقدسة، وأحد ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنه لم يكن من المتقين، وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصية، فبنو إسرائيل قالوا: اذهب أنت وربك، وابن آدم قال: لأقتلنّ الذي تقبل الله منه.

وأما التّضادّ فإن في إحداهما إقداما مذموما من ابن آدم، وإحجاما مذموما من بني إسرائيل، وإن في إحداهما اتفاقا بين أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله، وفي الأخوين اختلاف أخوين بالصّلاح والفساد".(1)

وابنا آدم في القصة هما ولداه من صلبه "قابيل" و"هابيل"، على ما ذهب إليه جمهور المفسرّين، وهي مفصّلة بأحداثها في نصوص العهد القديم "التّوراة"، ولم يوردها النّصّ القرآني إلا بما فيه العبرة والموعظة، ونصَّ على أن تلاوة الرّسول لها للنّاس بما فيهم أهل الكتاب تلاوة صادقة ثابتة كما جرت في الواقع، لا زيادة فيها من خيال أو حبكة فنية مما يألفه القصّاصون.

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير،6/ 168.

١٬٤٦٢ / ٦٬٧٦٧