نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٩

(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الاَرْضِ لِيُرِيَهُ’ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنَ اَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ): عجبا لمفارقات هذا الإنسان!! … لقد انهارت النّفس الجبّارة الحقودة المنتقمة، عندما رأت جثة الأخ هامدة وساء منظرها بوحشة الموت وانبعاث النّتن منها كأيّ حيوان يصرع في فلاة؛ ومن بلاغة القرءان وإيحاءاته في هذا النّصّ، أن يصوّر عجز الإنسان وضعفه على ذكائه وقدرته، وكيف أنه بتفاعله مع الكائنات الأخرى يستطيع تطويع بيئته والانتفاع بما سخّر الله له فيها وأنه في كل ذلك مشدود إلى رعاية الله وتوفيقه، مرهون بمدى جهده وكسبه، وأخذه بالوسائل المشروعة والمعقولة، فالغراب إذ يقوم بالبحث في الأرض مدفوع بالغريزة التي حباه الله بها، ولعلها أول ميتة لأبن ءادم على وجه الأرض، وقف أمامها الأخ الجاني مبهوتا لايدري كيف يتصرّف، ولا عجب في ذلك التّحيّر والعجز، لأن الإنسان الأول لم يهتد إلى الانطلاقة الحضارية في حياته إلا بجهد جهيد، وفي زمن غير قصير، لقد تعلّم الأخ المبهوت من الغراب كيف يدفن جثة أخيه في الأرض، تعلّم ذلك من رؤيته منظر الغراب وهو يبحث في الأرض، بقطع النّظر عن ما تذكره الرّوايات أن قابيل شاهد المنظر كاملا من الدّفن لجثة غراب آخر، أو دفن شيء خلافه، إذ علّل الله بحث الغراب في الأرض بقوله تعالى: (لِيُرِيَهُ’ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ): وفي مرجع الضّمير «ليريه» احتمالان: أنه راجع إلى الله الخالق الملهم، أو إلى الغراب المعلّم والمرشد، وعلى الاحتمال الثاني، تكون اللاّم لمعنى الصّيرورة والعاقبة.

١٬٤٦٧ / ٦٬٧٦٧