نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ١١

(مِن اَجْلِ ذَلِكَ): يعبّر به عن التعليل وهو بمعنى «من جرّاء ذلك» أي التّسبّب في شيء، وذلك إشارة إلى ما ذكر من جريمة القتل العدواني، شرع الله لبني إسرائيل القصاص كما سيأتي تفصيله، والقصاص ضرورة حياة ما دام في البشر نماذج لا يردعها الوازع الدّيني، ولا الموعظة والتّذكير، وما دام فيهم نماذج تميل إلى المسالمة والوداعة، فلا تجد -غالبا- أمنها وطمأنينتها إلا تحت ظل سلطة قوية رادعة، والحكمة تقول: «يزع الله بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن». ولتصوير فظاعة القتل العدواني ترسم الآية هذه السّورة البشعة بالقتل الجماعيّ لكل النّفوس البشرية، لأن الذي يجرؤ على قتل النّفس الواحدة ظلما وعدوانا لا يصعب عليه قتل غيرها من النّاس، لأن حق الحياة أمر مقدسّ لا يملكه إلا واهب الحياة، وبالتّالي هو وحده يملك أمر الموت، ألا ترى جريمة الانتحار كيف اعتبرتها الشّرائع جريمة شنعاء يعاقب عليها فاعلها وإن اعتدى على نفسه؟؟

(وَمَنَ اَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً): بأن أنقذها من الموت فعلا أو عمل لما يوفّر الأمن والطّمأنينة لها، فكأنما أحيا النّاس جميعا، لأن النّفس البشرية لا تتوفّر لها أسباب الأمن والطّمأنينة إلا في حضن المجتمع المسلم الفاضل الذي يقوم على تنفيذ شريعة الله.

إذا كان القصاص رادعا شرعيا وقانونيا عرفه البشر منذ أقدم العصور، فما فائدة تخصيص بني إسرائيل بالذّكر بعد قصة ابني ءادم وبينهما قرون وأجيال وشرائع خلت؟

١٬٤٦٩ / ٦٬٧٦٧