نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ١٦

هذه الظّاهرة معروفة في كل زمان ومكان، وبما أنها ظاهرة تقع في دار الإسلام، سواء من طرف مسلمين منحرفين أومن ذميين أو معاهدين، فإن لها أحكاما مفصّلة خاصة في الفقه الإسلامي، غير أحكام القتال والجهاد للكفار في دار الحرب.

(إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ’ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَاداً): والتّعبير بمحاربة الله ورسوله من طرف هؤلاء الجناة يعني خروجهم عن أحكام الله التي تلتزم بها الجماعة المسلمة، وهي تعيش في ظل حكم إسلامي صحيح، لا يقرّ بالحاكمية إلا لله، ويكون السّلطان الذي يبايعه المسلمون ظلّ الله في الأرض كما ورد في الحديث الشّريف: «السّلطان ظلّ الله في الأرض»، وبما أن هؤلاء المجرمين لا يقصدون برفع السّلاح إلا الفساد وتشويش الأمن العام، فقد عطف على جملة المحاربة لله ورسوله جملة: (يَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَاداً): والسّعي بالفساد يأخذ أشكالا مختلفة، وله أساليبه المتعددة قديما وحديثا، والتّعبير بالسّعي يدلّ على القصد والعمد، لا يتحقق إلا بالتّخطيط والتّدبير الحازم من طرف هذه العصابات المجرمة، فكل ما يقرّه الشّرع والعقل وكذا العرف بأنه فساد في الأرض فهو يندرج في مفهوم هذه الجملة، أيا كان نوعه أو مجاله، برّا أو بحرا أوجوّا، مما تشمله دائرة السّلطة المسلمة الحقة.

والعقاب الصّارم المشرّع لحدّ الحرابة يقوم على قاعدة سدّ الذّريعة، ضمانا للأمن والاستقرار، على أن الإسلام قد حرّم المثلة بتشويه الأعضاء، فإن الصّلب وقطع الأعضاء من خلاف، إنما يراد بع ردع المجرمين بأن يكون هؤلاء عبرة لهم.

وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة والشّروط التي يجب أن تتوفّر في المحاربين، وقد لخصّها الدّكتور وهبة الزّحيلي في تفسيره المنير، فقال: «ويشترط في المحاربين ثلاثة شروط:

١٬٤٧٤ / ٦٬٧٦٧