نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٢٩

نداء تشريفي للرّسول بصفة الرّسالة تكرّر مرتين في هذه السّورة الكريمة وحدها، وكثيرا ما يرد النّداء بصفة النّبوءة في السّور الأخرى: (يَأَيُّهَا النَّبِيُّ): نهاه الله عن الحزن والأسى لتألّب المنافقين عليه وسوء معاملة اليهود له، وتذرّعهم بالكذب ومسارعتهم في إظهار الكفر، والرّسول من طبعه الرّحمة والحنان والإشفاق، لأنه أعلم بمصير المنافق والكافر، فهو الحريص في دعوته للناس أن يكسب أكثرهم ويجتذبهم إلى حظيرة الإيمان، والحزن والسّرور ظواهر طبيعية في الإنسان، فما كان منهما بالقدر العاديّ المتزن فلا ضير فيه، لأن الإنسان لا يملك فيهما أمره، والله تعالى لا يؤاخذنا بما لا نملك، ولكن الشّرع الحنيف ينهانا عن الإفراط وتجاوز الحدّ فيهما، سيما إذا كانا في الحظوظ الدّنيوية العاجلة، أما الفرح أو الأسى في الحظوظ الرّوحية وفي مجال الصّالحات فذلك أمر مرغوب فيه لقوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58). وكم من ءايات في القرءان الكريم تهوّن من شأن الكفار والمنافقين، وتوهّن من كيدهم لتثبيت الرّسول في دعوته وشرح صدره في مواجهة أعدائه، وقد روى المحدثون قصة لسبب النزول منها: أخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمر قال: «إن اليهود أتوا النبيء -صلى الله عليه وسلم- برجل منهم وامرأة زانيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نسخِّم وجوههما ويخزيان، قال: قد كذبتم، إن فيها الرّجم، (فَاتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران:93). فجاءوا بالتّوراة وجاءوا بقارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا، فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا هي تلوح (أي ءاية الرّجم) فقالوا: يا محمد إن فيها الرّجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بها الرّسول فرجما فلقد يجأ عليها (ينحني) يقيها الحجارة بنفسه».

قلت:

١٬٤٨٧ / ٦٬٧٦٧