نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٦١

جاء الرّدّ الإلهي على هذه المزاعم الباطلة في صيغة أفعال الرّجاء: (عَسَى): يقول الإمام الرّازي: "قال المفسّرون: (عَسَى): في الله واجب، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله فهو بمنزلة الوعد لتعلق النّفس بها ورجائها له".

قلت:

إن التّعبير بفعل الرّجاء في الإنباء بالأمور الغيبية هو الأنسب والأوفق في ءاداب العبد مع الله، إذ يلتمس منه التّوفيق والمعونة، ويطلب النّصر والتّمكين، وحتى يبقى الله وحده معقد رجائه ومناط ءاماله، فهو وإن كان يحسن الظّن بربه في الاستجابة فلا ينبغي أن يخرج عن دائرة الرّجاء والانتظار، حتى لا يقع في خطإ التّعجّل والإستحسار. والفتح الموعود به في الآية الكريمة لا يقتصر على فتح مكة بالنّسبة للمشركين، ولا على فتح خيبر بالنّسبة لليهود، لأن ذلك يضيّق من معنى الآية، لأن الفتح في معناه اللّغوي أوسع وأشمل. إذ يعني الفصل النّهائي بين المتخاصمين كما قال تعالى على لسان سيدنا نوح -عليه السلام- (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ) (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشّعراء:117 - 118). وقد تأخذ القضية شكلا ءاخر من الحلّ غير الفصل النّهائي. يكون بأمر من عند الله لم يكن في حسبان أحد من خلقه يقلب الأوضاع ويخالف كل التّوقعات: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران:54). وكما قال تعالى في شأن بني قريظة عندما عاقبهم الرّسول: (وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) (الحشر:2). وكم ندم المنافقون الإمّعات، على ما أضمروه من التّوقعات والحسابات، عندما تخيب ءاما لهم في من يستندون إليهم.

سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار.

١٬٥١٩ / ٦٬٧٦٧