سورة المائدة
الجزء ٦ · صفحة ٧٥إذا كان ما تقدم من واقع أهل الكتاب وموقفهم من دين المسلمين فما هي بواعث ذلك ودوافعه في نفوسهم؟؟ … الخطاب موجّه للرسول والاستفهام للإنكار والتّوبيخ. وتوجيه النّداء إلى أهل الكتاب دون الكفار لزيادة تقريعهم لأنهم يدّعون الإيمان بما أنزل الله، ولكنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، بينما المسلمون يؤمنون بالكتاب كلّه، فهم لذلك محلّ نقمة وسخط لا يمكن أن تنطفئ جذوتهما على مدى الزّمان مهما حاول أهل الكتاب والمخدوعون بهم أن يلطفّوا الأجواء بين الفريقين بدعوى محاربة الشّيوعية والإلحاد، أو بدعوى فصل الدّين عن السّياسة والاقتصاد، لأن السّلوكات لا يمكن أن تتفضل عن البواعث والدّوافع. فالإيمان الكامل المقبول عند الله هو ما عليه رسول الله وأتباعه من الإيمان بالله وكتبه ورسله. وليس في ذلك ما يعاب وما ينقم منه. بينما أنتم أحق بالنّقمة لفسق أغلبكم بما حرّقوه وبدّلوه، ولتكذيبكم لرسول ظهرت معجزته وتبيّن لديكم صدقه. وللمفسرين تأويلات في هذا العطف. ولعل أصحّها -والله اعلم- أن يكون قوله: (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ): معطوفا على قوله: (أَنَ امَنَّا بِاللَّهِ): ليكون التّقابل بين ما ينقم منه حقيقة في عرف الأخلاق والدّين وما لا ينقم منه، وذلك أدعى للتهكّم يقول الرّازي: "ومثل هذا حسن في الازدواج. يقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر، وأني غنيّ وأنت فقير".(1) وهل بغير زوال النّعمة عن المحسود يرضي الحسود وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120).
(1) – ص35.