سورة المائدة
الجزء ٦ · صفحة ٧٩ولا أدل على بقائهم في الكفر من المسارعة إلى الإثم والعدوان وأكل السّحت، قال تعالى: (وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ): والخطاب موجّه إلى الرّسول وإلى كل سامع، وحتى لا يعمّم الحكم جيء بكلمة: (كَثِيراً مِّنْهُمْ): مما يدلّ على أن الأغلبية منهم كانوا على الصّفات المذكورة في الآية: واستعمال فعل المسارعة في هو ما شرّ على غير موضع استعماله في الخير على الأكثر كما تقدم إنما هو لإفادة معتقدهم في الأممتين من غير جنسهم، وأن معاملتهم بالمكر والدّسّ والكيد والعدوان على حقوقهم هو مبرّة وتقرّب إلى الرّبّ. قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:75). والألفاظ المستعملة للمنكرات التي يرتكبونها يلاحظ فيها ترتيب دقيق في دلالتها العامّة والخاصة. فلفظ الإثم يتناول كل أنواع المعاصي قولا وعملا. خصّص منها العدوان على حقوق الغير وتجاوز الحدود في ذلك. وأخسّ أنواع العدوان أكل أموال النّاس بالباطل -وإضافة الأكل إليهم-والله أعلم- ليفيد نوعا من الخصوصية لهم في هذا العدوان الشّنيع. وإنهم لكذلك في ماضيهم وحاضرهم بما ابتدعوه من أساليب مجحفة في التّعامل المالي والتّبادل الاقتصادي، يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا. (لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ): ذمّ لأعمالهم الشّنيعة.