نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٩١

ومن أشدّ ما أمر الله به الرّسول أن يبلّغه لأهل الكتاب وقد وعده بالحفظ والعصمة: والمقصود بأهل الكتاب هنا اليهود والنّصارى بدليل ذكر التّوراة والإنجيل، من أشد ذلك هذه العبارة التي تدلّ على تحقير شأنهم: (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ): أيّ هذا التديّن الذي تدّعونه لا يعتدّ به عند الله، واسم شيء يصدق على كل موجود وقد ورد نكرة في سياق النّفي. إلا أن القرائن تبيّن المراد منه هنا، وهو الدّين بما فيه من إيمان وسلوك. أي لغاية إقامتكم لأحكام التّوراة والإنجيل. (وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ):يحتمل أن يراد به

-والله أعلم- ما أنزل من القرءان على محمد الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل، ويحتمل أن يراد به ما أنزل على رسلهم وأنبيائهم من غير التّوراة والإنجيل. وبهذه الآية أبطل الله مزاعمهم بأنهم متديّنون وأنهم يتمسكون بما عندهم ولا يحتاجون إلى غيره. إذ ليس الدّين ادعاء باللّسان، ولا انتماء إلى جنس كما يريدون. وكان من مستلزمات إقامتهم للتوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم أن يؤمنوا بما أنزل على محمد وهو المبشر به في التّوراة والإنجيل. وهو المصدق لما بين يديه من الكتاب. ويالها من مواجهة فاصلة تقرعهم وتجرح كبرياءهم لا تزيد الكثير منهم إلا طغيانا وكفرا حسدا من عند أنفسهم.

(فَلَا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ): فلا للرسول بدّ من تبليغهم هذه الحقيقة الفاصلة، فلا يحزن لمن ءاثر الكفر والضّلال حتى أصبح متوّغلا فيهما بحيث لا ترجى هدايته. فليس للمجاملة والرّفق أي أثر في نفوس مثل هؤلاء النّاس. وقد يعتبرون ذلك ضعفا ممن يجابههم ويناوئهم. وكيف ترجى هدايتهم والله ينفي عنهم ذلك في ما سبق: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).

١٬٥٤٩ / ٦٬٧٦٧