نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المائدة

الجزء ٦ · صفحة ٩٥

وللسفهاء والغاوين متاهات يوغلون فيها وينسون أنفسهم عندما ينسون الله، فلا ينتبهون إلى العواقب، بل يلجون في الفساد، فيرون ما هم عليه هو الصّواب والسّداد. وعطف جملة: (وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ): على ما قبلها من بيان أفعالهم الدّنيئة من القتل والتّكذيب للرسل، لإفادة أن ما يفعلونه يصدر عن تعمّد وسبق إصرار لا عن جهالة أو غفلة. فهم لفساد معتقدهم وقوة غرورهم يعتقدون أنهم ءامنون من الفتنة.

ومن سنن الله تعالى في خلقه أن يفتنهم جزاء ما كسبت أيديهم بالمصائب التي تنتابهم. يقول تعالى: (أَلَمِّ) (اَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُواْ أَنْ يَّقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:1 - 2). وقد تكون الفتنة للابتلاء والاختبار والتّمحيص. (وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:3).

(فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ): استعير العمى والصّمم للإعراض عن ءايات الله، والغفلة عن سنته والسّمع والبصر وسيلتان كبريان للهداية والرّشاد متى وظّفهما الإنسان للتذكّر والتّبصّر والاتعاظ. وعلى سنة الاستدراج وإقامة الحجة. فتكرر فترات الضّعف والقوة لدى أمة من الأمم. فدلت هذه الآية الكريمة أن الله تعالى سلّط على بني إسرائيل من أذاقهم سوء العذاب للمرة الأولى بعد نقضهم الميثاق، ثم أخذوا العبرة بما أصابهم فتابوا وأصلح الله أحوالهم. ولكنهم عادوا إلى الغفلة والنّسيان، وإلى البغي والطّغيان بكيفية أقوى حتى أصبح ذلك هو الطّابع الغالب على أكثرهم: (ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ): ولم تبيّن الآية ماذا أعقب عمَاهم الثّاني، وغنما كان التّذييل بقوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).

١٬٥٥٣ / ٦٬٧٦٧