سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١٠٠تثبت افتتاحية السّورة استحقاق الحمد لله تعالى، واختصاصه به دون غيره، لأنه مصدر النّعم كلّها، إذ خلق جميع الكائنات على الصّورة البديعة التي نشاهدها وأثبت لها الأعراض المناسبة لها، وخصّ بالذّكر الأجرام العلوية الكبرى: (السَّمَاوَات): وأوردها بصيغة الجمع لأنها كثيرة، مستقلّ بعضها عن بعض، بينما (الاَرْض): جاءت بصيغة المفرد، لأنها عالم واحد متكامل. وإن ورد في القرءان ذكر لسبع أرضين في قوله تعالى في سورة الطّلاق: (اللَّهُ الذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الاَرْضِ مِثْلَهُنّ) (12). فإنه لم يرد فيه لفظ الأرض جمعا وبذكر هذين العنصرين من مادّة الكون العظيم تحصل الإشارة إلى جنسي المخلوقات كلها. بصفة إجمالية تكون في متناول إدراك جميع النّاس. وقد علّل الإمام ابن عاشور الاقتصار بذكر هذه المخلوقات الأربعة: "بأنه تعريض بإبطال عقائد كفّار العرب. فإنهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى: وكلهم قد أثبتوا ءالهة غير الله. فالمشركون أثبتوا ءالهة من الأرض، والصّائبة أثبتوا ءالهة من الكواكب السّماوية والنّصارى أثبتوا ءالهية عيسى، أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية. والمجوس وهم المانوية ألّهوا النّور والظّلمة، فالنور إله الخير والظّلمة إله الشّر عندهم. فاخبرهم الله تعالى أنه خالق السّماوات والأرض، أي بما فيهن، وخالق الظّلمات والنّور" ا هـ