سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٥٦(إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِينَ مَنَ - امَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمُ، أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ): وجرياً على سنن القرآن في الوعد والوعيد والتّرغيب والتّرهيب، فإنّ الله تعالى أعقب ذلك الحكم القاسي على مجرمي اليهود، بفتح باب الرّحمة والأمل لمن تحرّى لدينه ورضي بحكم الله في مسار حياته، فجاءت الآية (إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ … ) وما بعدها بمنزلة الاستثناء من الحكم السّابق، لدفع توهّم أنّ ما سبق ذكره شامل لكلّ اليهود ومن كان على شاكلتهم من الأمم الضّالّة، فإنّ الله تعالى لم يعاقبهم بما سبق إلاّ وفق السّنن الاجتماعية في خلقه بسبب الظّلم والفسوق، وإنّ ذلك ينتظم كلّ من أجرم وتحدّى الله بقطع النّظر عن جنسه وملّته، إذ أنّ الأنساب والانتماءات لا أثر لها في إرضاء الله ولا غضبه، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13).
وبما أنّ السّياق ما يزال متواصلاً في ذكر أحوال بني إسرائيل، فإنّ فائدة توسّط هذه الآية خلال ذلك السّياق هي لفتح باب الرّجاء لهم للتّوبة والرّجوع إلى الله، فقد ورد فيها ذكر غيرهم من الأمم ممّن تحقّق إيمانه وحسن عمله، وكيف يكون جزاؤهم عند الله، تأنيساً للشّاردين من اليهود، وإنصافاً للصّالحين منهم، وفي ذلك من التّرغيب والبشارة ما يطمئن قلوب أولياء الله من أيّ جنس كانوا.
ابتدأ الله بذكر الذين آمنوا - وهم المسلمون الذين آمنوا برسول الله وصدّقوا برسالته - بدأ الله بهم رفعاً لشأنهم، وليكونوا قدوةً لغيرهم.