سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١٠٥وقد عالجت الآيات السّابقة قضية الألوهية ووحدانية الله كما أرشدت إلى دلائل البعث والجزاء، وكيف أن المشركين ظلوا على شكّهم وفي حيرتهم يترددون، ولما جاءهم الوحي ليرشدهم إلى طريق الحق أنكروه وأعرضوا عنه مكابرة وعنادا، وتجيء هذه الآيات اللاحقة لتبيّن إصرارهم على الباطل والأسباب التي جعلتهم كذلك، وتنذرهم عواقب التّكذيب والاستهزاء، ثم تفيض في تأكيد ظاهرة الوحي وتردّ على شبهاتهم بتفصيل قال: (وَمَا تَاتِيهِم مِّنَ ايَةٍ مِّنَ آيَاتِ رَبِّهِمُ (إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ): إن الآيات والبراهين الدّالة على قدرة الله ووحدانيته، وعلى علمه الشّامل وعدله الكامل في قضية البعث والجزاء، إن تلك الآيات والبراهين هي طوع كل إنسان خلصت فطرته من شوائب الجهالات والخرافات وهؤلاء المشركون، إذ منعوا على أنفسهم التّأمّل والنّظر في تلك الآيات الثّابتة المنبثة في أرجاء الكون العظيم، فهم لا يرجى منهم أن يهتدوا بالآيات النّاطقة التي جئتهم بها من وحي الله. ذلك لأن العناد والاستكبار قد طمس بصائرهم فران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. فحسب هذا الإنسان الظّلوم الجهول أن يركن إلى فطرته السّليمة ويستجيب لندائها، فيخطو بذلك الخطوة الأولى في حظيرة الإيمان ليسير في طريق الله وتتضح له معالم السّير، فلا يستشكل ولا يحتار، قال تعالى: (وَمَنْ يُّومِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ’) (التغابن:11). أما وقد استغلقت منافذ الإيمان على هؤلاء الكفرة فإنك أيها الرّسول لا تفوز منهم بطائل في دعوتك. مهما تفننت في العرض وبرعت في البيان والإقناع. والإلتفات من صيغة الخطاب إلى الغيبة في حق هؤلاء للتنديد والتّشهير بهم لأنه: كما قال المتنبيّ:
ومن البلية عذل من لا ير عوى عن غيّه وخطاب من لا يفهم.