سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١١٧إن اتصاف الذّات العلية بالرّحمة تكرّر في القرءان الكريم بصيغ مختلفة. ولكن ورودها بهذا الشّكل في هذه السّورة الكريمة: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ): ويأتي قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام:54). يدلّ على أن رحمة الخالق بعباده هي الأصل، تفضّلا منه تعالى ومنّة، لا يوجبها عليه أحد، إذ كتبها بإرادته ومشيئته، والمقصود أن هذه الصّفة لا تتخلّف، كما لا يتخلّف الأمر الواجب المفروض. وتتجلّى هذه الرّحمة في كل حركة أو سكنة من هذا الوجود، حتى في ما يبدو لنا أنه نقمة وعذاب في أنواع من الابتلاء نتعرّض لها في مسيرة حياتنا، وأعظم مجالي رحمته هذا الجمع للحساب والجزاء للفصل بين الخلائق، فينال كلٌّ ما يستحقه وفق ما قدّمه من عمل. وفي السّنة النّبوية كثير من النّصوص تصوّر هذه العلاقة الرّحيمة بين الخالق وعباده، بما يدحض شبهة الذين يصوّرون الإله في الإسلام جلاّدا لا يلين ولا يرحم. فقد روى الشّيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعل الله الرّحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدّابّة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه".(1) قال تعالى:
(الذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُومِنُونَ): المجموعون إلى يوم القيامة هم بين الفوز والخسارة، ولكل منهما أسباب ووسائل، وهم بين اللّوم والتّقريع، أو المدح والبشارة. فالذين خسروا أنفسهم لا يملكون شيئا يستظهرون به في ذلك الموقف المهول. ذلك لأنهم لخسرانهم أنفسهم في الدّنيا كانوا لا يؤمنون بالآخرة وما خسارة الأنفس إلا إتباع هواها وتدسيتها بالمعاصي والآثام. فلم ينتفعوا بالتّذكير بآيات الله.
(1) – الحديث: