سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١٣٨فهم يدركون أن ما هم عليه في ذلك الموقف سببه التّكذيب بأيات ربهم وعدم الإيمان به. وكلّ من هؤلاء العتاة قد يبدو له وجه الحق في ما يسمعه أو يراه من الآيات. ولكنه استبقاء لمركزه الاجتماعي يكتم ذلك ويخفيه في الدّنيا، ولكن سلب الاختيار عنه في موقف الحساب يجعله غير قادر على ذلك الترنيم والمغالطة. بل تواجهه الحقيقة فلا يستطيع إنكارها، وقل عكس ذلك في المنافق الذي كان يظهر الإيمان في الدّنيا ويخفي الكفر وذلك مصداقا لقوله تعالى في سورة الحاقة: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ) (18). وكيفية ذلك الإبداء قد بيّنها الله في كثير من مشاهد يوم القيامة، من أعظمها توضيحا وتفصيلا ما ينشر على صحفهم من أجلّ الأعمال وأدقّها حتى يكون ذلك موضع تعجيب وانبهار من طرف المجرمين حين يقول قائلهم: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف:49). ثم إن ألسنتهم وجوارهم تكون شاهدة عليهم فلا يملكون لها إنكارا: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ (أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (النور:24).
(وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ): وإمعانا في إبطال تلك المتمنيات الكاذبة يبيّن تعالى حقيقة أمرهم بأنهم يكذبون، إذ لو تحقق لهم ما يتمنّون لعادوا إلى طبيعتهم الأولى من المكابرة والعناد والتّكذيب ذلك لأن تلك الأمانّي لم تعتلج في صدورهم إلا عند موقف الهول، ظنا منهم أنها تنقذهم منه، بحيث لو تسكن فيهم هواجس الخوف لعادوا إلى ما كانوا عليه من طبيعتهم الأولى. تلك الطّبيعة التي تركّزت واستقرت على التّكذيب والسّخرية وقد أكدّها الله تعالى بمؤكدين: إن واللام: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).