سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١٣٧الخطاب موجّه إلى الرّسول تسلية له عما يلاقيه من عنت هؤلاء، كما هو موجّه لكل سامع يتلقى هذا الخبر. والمعنى لو تشاهد حال الكفار أمام ذلك الموقف المهول، وملائكة العذاب تعرضهم على النّار وهو يشاهدون فظائعها وألوان عذابها. وقد حذف جواب لو الشّرطية لأنه يتوصّل إليه من السّياق. كما جيء بالفعل: (وُقِفُواْ): ماضيا، وهو بمعنى الاستقبال للتنبيه على تحقيق وقوعه. والتّقدير: "لو ترى هؤلاء الكفار حين يُعرضون على جهنم وما يكون من أمرهم لرأيت شيئا عظيما". فيعقب منهم على تلك المشاهدة الأليمة هذه الأمانيّ التي تصدر منهم في حسرة وأسى، لأنهم قد أدركوا أن ما يشاهدونه من الهول إنما هو جزاء تكذيبهم وعنادهم، وأنهمك في موقف جزاء لا فرصة فيه لأيّ عمل يقدّمه الإنسان. ولذا فهم يتمنون العودة إلى الدّنيا ليكون ذلك الرّجوع سببا للإيمان وترك التّكذيب. وهذا المعنى بناء على قراءة الجمهور برفع الأفعال المعطوفة على: (نُرَدُّ). وأما قراءة الفعلين: (نُكَذِّبُ): (نَكُونُ): بالنّصب فلها تأويلات في الإعراب. ولا تبعد عن نفس المعنى.
(بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ):
والإنسان الظّلوم قد يمنّى نفسه بالأماني الكاذبة. فهؤلاء الكفرة صاروا في موقف الهول على غير ما كانوا عليه في الدّنيا من الأنفة والاستعلاء. إذ أصبحوا أذلاء خاشعين كما وصفهم الله في قوله: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ) (الشورى:45).