سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١٧٨(هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ): أي ذلك الجزاء المحكوم به من طرف العدلين يكون هديا يصل إلى الكعبة ويذبح في جوارها كما يذبح الهدي ويتصدق بلحمه على الفقراء والمساكين والذين يقولون بالقيمة مطلقا. يرون أن المكفّر مخيّر بين أن يتصدق بتلك القيمة أو أن يشتري بها هديا.
(أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامِ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ):
عطف كفارة الإطعام بأو التي تدلّ على التّخيير. ولم يحدّد الله تعالى في هذه الكفارة عدد المساكين ولا مقدار الإطعام. وعطف بما يعادل ذلك الإطعام صياما. وهذا الإطلاق تحديده موكول إلى الحكمين، وهو لا محالة يخضع إلى ظروف الأمكنة والأحوال ولذلك نجد فيه خلافا فقهيا واسعا يطلب من مظانّه، كما أن الخلاف واقع في كون هذه الكفارة على التّرتيب أو التّخيير. غير أن سماحة الإسلام ويسر أحكامه تقتضي التّخيير كما ذهب إليه الجمهور.
(لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ): تعليل للجزاء والكفارة. أي ليحسّ القاتل جريرة ما ارتكبه من الذّنب إحساس غضاضة ومرارة. لأنه تعدّى بذلك حدود الله. والتّعبير بالوبال يدلّ على ثقل الجرم لما له من سوء العاقبة. وفي ذلك تشديد لانتهاك حرمات الله.
(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ): بعد التّشديد يأتي عفو الله عما سلف مِما كان في عهد الجاهلية أو قبل ورود النّهي. والعودة إلى الذّنب دليل الاغترار والعناد والعنود المغتر لا تردعه إلا القوة، فناسب هذا التّذليل بأن الله عزيز ذو انتقام، ومن غالبَ اللهَ غلب. واستدلّ الجمهور بالآية على تكرّر الجزاء بتكرّر القتل، بينما يرى بعض الأئمة أن العائد لا يترتب عليه الجزاء إلا مرة واحدة وحق عليه عذاب الآخرة. وهو رأي الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه.
-والله أعلم-
ملاحظة: