سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ١٨٤استوقفني هذا النّصّ -وأنا بصدد تفسير الآية- فوجدت فيه ملحظا دقيقا يلخّص كل ما أطنب فيه المفسّرون لبيان معنى جعل الله لهذا البيت وما يتصل بها من تلك الحرمة والقداسة. لأن العرب -وهم المقصودون- لوّلا بكلمة: "النّاس" كانوا في حياتهم الجاهلية لا يعرفون نظام الدّولة في حياتهم الاجتماعية حيث تقام الضّوابط لتصرفات النّاس، وتحدّد حقوقهم وواجباتهم بمقتضى القوانين التي تشرّعها الدولة. إذ أن النّظام القبلّي المعروف عندهم لم يرتق إلى ذلك المستوى التّنظيميّ الرّاقي الذي مارسته الأمم الأخرى مثل فارس والرّوم. ولذا بقي العرب على فطرتهم السّاذجة معتمدين على أنفسهم في كسب أقواتهم والدّفاع عن حماهم. والحياة صراع وكفاح، وتدافع النّاس لا مفرّ منه في صراع البقاء. فكأن من الطّبيعي أن ينشأ العربيّ على تلك الجفوة والغلظة وأن تضطرب حياته وهو يتقلّب في تلك الصّحراء الشّاسعة يطارده الخوف والجوع حيثما حلّ وارتحل فكان من رحمة الله وفضله على هذه الأمّة أن يجعل لها بديلا من نظام يلتئِم به شملهم وتستقرّ به أوضاعهم بتخصيص حيّز من الزّمان والمكان هو في شكله الماديّ مما يعرفه النّاس يألفونه، ولكنه في بعده الرّوحيّ والمعنويّ مقدّس مبارك محفوف بعناية الله لا تناوشه المظالم ولا تدنّسه الفواحش والأرجاس إذ لابد لقيام شؤون النّاس وصلاح أمر دينهم ودنياهم من هيكل سلطة يذعنون لها إذعانا روحيا أو ماديّا فكيف بهما إذا اجتمعا. وفي هذا البعد الرّوحي للبيت الحرام يقول تعالى في سورة الحجّ: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ) (27 - 28).