نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٢١٨

وأورد الإمام ابن عاشور كلاما مفيدا في توجيه مثل هذا الأسلوب في الكلام العربيّ، نجد فيه ضلاعة كبرى في اللّغة وفهما دقيقا لبلاغة القرءان نورده بنصّه كاملا: إتماما للفائدة. قال طيّب الله ثراه: "وجرى قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ): على طريقة عربية في العرض والدّعاء، يقولون للمستطيع لأمر: هل تستطيع كذا؟ على معنى تطلب العذر له إن لم يجبك إلى مطلوبك وأنّ السّائل لا يحبّ أن يكلّف المسؤول ما يشق عليه. وذلك كناية فلم يبق منظورا فيه إلى صريح المعنى المقتضى لأنه يشكّ في استطاعة المسؤول. وإنما يقول ذلك الأدنى للأعلى منه، وفي شيء يعلم أنه مستطاع للمسؤول فقرينة الكناية تحقق المسؤول أن السّائل يعلم استطاعته. ومنه ما جاء في حديث يحي المازني: أن رجلا قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضأ؟؟ … فإن السّائل يعلم أن عبد الله بن زيد لا يشق عليه ذلك. فليس قول الحواريّين المحكي بهذا اللّفظ في القرءان إلا لفظا من لغتهم يدلّ على التّلطّف والتّأدّب في السّؤال، كما هو مناسب لأهل الإيمان الخالص. وليس شكا في قدرة الله تعالى"(1).

قلت:

مثل هذه الصّيغة من الاستفهام على استطاعة القيام بشيء معروفٌ منه أولٌ في الدّارجة، بل حتى في البربرية: مثل أن يطلب أحد أمرا من مسؤول أعلى، ولكنه يتوسط إليه بواسطة كاتبه أو أحد مستخدميه فيقول له: أيّستطيع معلمّك أن يقضي لي الأمر الفلانيّ، وهو يعلم أن ذلك المسؤول يستطيع ذلك بحكم مسؤوليته، ولكنه التّرفق في الطّلب.

(1) - التّحرير والتّنوير: م 07 / ص 105.

١٬٦٧٦ / ٦٬٧٦٧