سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٢٢٧فليس عيسى بمتّهم عند الله -وهو الرّسول الكريم المعصوم- والله يعلم منه صدق الإيمان، ويعلم براءته مما ادّعى عليه أتباعه، ولكنه استجواب يقصد به التّقريع والتّوبيخ لأولئك الذين ألّهوه وألّهوا أمّه. حتى إذا سمع المذنبون براءته منهم على رؤوس الأشهاد كان ذلك أشنع وأبشع في تصوير ما وقعوا فيه من ذنب عظيم وأي ظلم أعظم من الشّرك بالله؟ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13). والتّعبير بجملة: (قُلْتَ لِلنَّاسِ): دون قوله مثلا: "أمرت أو دعوت النّاس" ينمّ عن معنى الادّعاء والقيل والقال مما يسفّه به الكفّار دعوة الرّسل. ولذا كانت إجابة عيسى في مستوى الأدب الرّفيع مع الله تعالى وذلك بمبادرته لتنزيه مولاه أولا. وفي التّنزيه إقرار بإفراد الألوهية لله وإثبات لوحدانيته في ذاته وصفاته، ثم انتقل إلى تبريّة نفسه بأسلوب متنوّع بين النّفي و الإثبات نفي جاء بصيغة المبالغة بنفي أن يكون ذلك من شأنه، أو يكون له في ذلك أدنى حق. فهذا القول باطل من أساسه وهذا النّفي في حق نفسه أولا، ثم ارتقى إلى البرهان الأعلى الواجب في حق ربّه فقال: (اِن كُنتُ قُلْتُهُ’ فَقَدْ عَلِمْتَهُ’ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلآَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): فهو يستشهد في ذلك الموقف الرّهيب بعلم الله على براءته. فعلمه محيط شامل للظواهر والبواطن. وفي ردّه هذا إقرار لله تعالى بخصوصية الألوهية بالعلم المطلق الشّامل، بينما ينفي ذلك عن نفسه تفويضا لله في إظهار براءته، إنه أدب النّبوءة الرّفيع.