نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٢٢٩

لقد استرعى انتباهي اختيار وصف "العبودية" لإتباع عيسى في هذا المقام إذ لم يقل مثلا: "فإنهم خلقك" فلم أجد ما يشفي الغليل في التّفاسير التي بين يديّ إلا ما ألمح إليه صاحب المنار بقوله: "فكأنه قال لربه إنك أنت العليم بما كان منهم مدة وجودي بينهم وبعد وفاتي. وأنت الشّهيد عليهم ولا شهادة أكبر ولا أصدق من شهادتك، فمهما توقعه فيهم من عذاب فلا دافع له من دونك، إذ لا يوجد أحد أرحم منك بعبادك فيرحمهم أو يسألك أن ترحمهم. ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحوله وقوته، لأنك أنت العزيز الذي يغلب ولا يغلب، ويمنع من شاء ما شاء ولا يُمنع، ولا بتحويلك عن إرادتك، فإنك أنت الحكيم الذي تضع كل شيء موضعه، فلا يمكن لأحد غيرك أن يرجعك عنه".(1)

قلت:

إن المقام مقام التّقريع وإقامة الحجة على أولئك المنحرفين، ومن مقاصد هذا الحوار القدسيّ إقرار عيسى بعبوديته لله -وهو المؤلّه لدى هؤلاء القوم- وبالتالي فهو في تفويض أمر جزائهم إلى الله يقرّ بعبوديتهم لله تعالى إذ هو وحده السّيد المطاع فتعذيبه إياهم على تمردّهم وعصيانهم إن شاء تربية وعدل ومغفرته لهم -إن شاء- فضل ورحمة، وفي تقديمه عليه السلام شرطية التعذيب على شرطية المغفرة ملحظ دقيق لصاحب المنار، إذ يقول: " فذكر عيسى عليه السلام لا سمّي الله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): في جزاء شرطية المغفرة كذكره لكلمة: (عِبَادُكَ) في جزاء شرطية التّعذيب كل منهما وقع في محلّه الذي تقتضيه البلاغة في مقام التفويض فكان حجة له. ولو أراد بكلامه الشّفاعة والاسترحام لعكس ولكل مقام مقال".(2)

أجل: إن الموقف رهيب مهول، لا مجال فيه للرغبات والعواطف. يومئذ لا تنفع الشّفاعة إلا من أذن له الرّحمان ورضي له قولا.

-والله أعلم-

أ) - النّص:

(1) - ص:269 / م07.

(2) - م 07 / ص 269.

١٬٦٨٧ / ٦٬٧٦٧