سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٧والتّكذيب بالبعث والجزاء الأخرويّ ينجرّ عنه ما بيّنته الآية الكريمة من الخسران. إذ الكافر المنكر لليوم الآخر ينحصر همّه في الاستمتاع بشهوات الدّنيا ولذاتها، فيلهيه ذلك عن التّأمّل الواعي للتعرّف على حقيقة الدّنيا وأنها متاع قليل، ومتاع الغرور كما وصفها القرءان الكريم. والكافر لا يزال في سكرته سادرا حتى يفاجئه الموت وهي القيامة الصّغرى لقول رسول الله: "من مات فقد قامت قيامته".(1) فعندئذ تحصل النّدامة والحسرة لمن كذب بلقاء الله، لأن الموت هو أول خطوة في الحياة الأخرى. وعند قيام السّاعة الكبرى تتضاعف تلك الحسرة، إذ يشعر المجرم بفداحة الخسارة التي تسبّب هو فيها بتقصيره. وذلك عندما يشاهد نجاة ونعيم أهل الفلاح، وهو يعلم أن ما هم فيه من ذلك النعيم إنما هو جزاء جهدهم وصبرهم في طاعة ربّهم. فلا يملك إلا أن يتحسّر على ما فرّطه في جنب الله كما قال في سورة الزّمر: (وَاتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ). (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) (55 - 56). والتّفريط كان منهم في الدّنيا بالفسوق والعصيان، والذي ينتج عنه خسارة الفوز في الآخرة، وإكمالا للصورة السّيئة من الخيبة والخسران قال تعالى: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمُ (أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ): ولتشخيص عنتهم النّفسّي وتوبيخ الضّمير يتمثلون في هيئة من ناء ظهره بحمله الثّقيل، وهو لا ينفكّ عنه إيلاما وإعناتا. أو هو على القول بتجسّم الأعمال والمعاني في الآخرة، فقد روى جرير الطّبريّ وابن أبي حاتم عن السّديّ: أن الأعمال القبيحة أعمال الظّالم تتمثل بصورة رجل قبيح الوجه، أسود اللّون منتن الرّيح يحمله صاحبه يوم القيامة.
(1) - الحديث.