نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٢٤٢

وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ’ لَيُحْزِنُكَ الذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ): وما أكثر ما تردّد في كثير من سور القرءان العظيم: حزن رسول الله حين يعرض عنه قومه، وهو موقف سلبّي تعدّدت دوافعه بين طوائف المشركين حين يسمعون البلاغ ويعرضون. فكيف بأولئك الذين يجابهونه بالأذى قولا وفعلا في علوّ واستكبار؟؟ … والرّسول بشر له إحساس بالأذى، وكان من فرط رحمته ورأفته بقومه صلى الله عليه وسلم بغمّ لمن أعرض عن دعوته، لأنه يتمثّل مقعده من النّار. فمثل هذه التّسلية للرسول ضرورة ملحّة للتخفيف من حزنه وتثبيت قلبه. إنها تسلية من لدن القويّ العزيز، وهو أعلم بطبائع خلقه. تسلية لا تجمّل فيها ولا هي من باب التّفاؤل والتّرجّي، إذ هي من علم الله كاشف الضّرّ وعلاّم الغيوب. فقد لأخبر رسوله بأن هؤلاء لا يكذبونه لأنهم لا يعتقدون كذبك ولا يتّهمونك في صدقك وأمانتك، ولكنهم بدافع الظّلم لأنفسهم ولغيرهم فإنهم يجحدون بآيات الله المنزلّة عليك إن تكون حقا من خبر السّماء. ولهذا فتصبّر أيها الرّسول فإن الله مؤيّدك وناصرك. ثم أمره بالتّأسّي فقال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِىْ الْمُرْسَلِينَ): يذكّر الله رسوله بما وقع للرسل من قبله، إذ قصّ عليه قصصهم بأساليب مختلفة يبيّن فيها سننه في الدّعوات، وأن طريقها شاقّ طويل، وأهلها معرّضون للأذى في كل مسلك وسبيل. وأن الصّبر والتّحمّل هما الزّاد الذي لا ينفد في تلك الرّحلة الطّويلة، حتى يفضي صاحبها إلى النّصر المحقق. وتلك هي سنة الله التي لا تتبدّل. فاصبر يا محمد على لأواء الطّريق، وتأسّ بأولئك الأفذاذ من الصّفوة البشرية.

١٬٧٠٠ / ٦٬٧٦٧