سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٢٥٨بعد تهديد المشركين المنحرفين عن نداء الفطرة، بما يتوقّع من عذابهم حسب مشيئة الله، ساق الله هذا المثل بما حدث للأمم السّابقة من عذاب الاستئصال بعد استدراجهم وإنذارهم. وافتتحت الجملة بلام القسم وقد لتوكيد مضمونها، وهي تقرّ نسبة الله في خلقه بالاختبار والابتلاء بأنواع الشّدائد علّهم يرجعون عن غيّهم. وقوله: (وَلَقَدَ اَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ): أي أرسلنا إليها رسلا مثل ما أرسلناك إلى قومك. ولكنهم أصرّوا وامتنعوا عن الاستجابة فبلوناهم بالبأساء والضّراء جريا على سنّتنا في تربية النّاس بالشّدائد، ولكن قد لا يؤثر ذلك في بعضهم ممن تقسو قلوبهم بحيث لا تلينها الشّدائد والمصائب.
فقال تعالى: (فَلَوْلآَ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ): والقلب الإنساني إذا تحجّر بماران عليه من ظلمات الجهالة والكفر فإنه لا رجاء في صلاحه وبالتالي فإن الأجساد التي تحمل تلك القلوب لا تنصر حقا ولا تؤمن بدين، إذ تصبح قرينة، للشّيطان يزيّن لها ويغريها لمزيد من الفسوق والضّلال وأداة "لولا" للتحضيض: أي هلاّ تضرّعوا إلى الله حين جاءهم البأس لينذرهم، ولكن أنّى للقلوب المتحجّرة أن تتعظ، فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة.