نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٢٧١

إن دعوات الحق تتشابه في طبيعة حركيتها ومسارها وفي كونها تعتمد في انطلاقتها على الطّبقات المستضعفة، ومن طبيعة السّادة الكبراء أنهم يأنفون أن يكونوا على صعيد واحد مع من يعتبرونهم خدّما لهم وعبيدا، فهذا سيدنا نوح عليه السلام يواجهه قومه بمثل ما واجهت به قريش الرّسول محمدا عليه السلام حين قالوا له: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الذِينَ هُمُ (أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) (هود:27). فرغبة الرّسول في إيمان أولئك الكبراء، وهو يجالسهم ويحاورهم يجب أن لا تكون على حساب من أخلص دينه لله واعتزّ بعقيدته وإيمانه. بأن يبعدوا عن مجالس القوم. فهؤلاء أكرم عند الله وأولى بالتّزام مجالس الرّسول، لأنهم لا يقصدون بإيمانهم حظوة دنيوية. وما قصّة عبد الله بن أمّ مكتوم مع رسول الله وعتاب الله عليه في سورة "عبس" إلا إرشاد من الله لها ينبغي على الرّسول أن يلتزم به وهو يدعو إلى الله، فلا يأخذ بأساليب الأعراف الفاسدة التي تفاضل بين النّاس بالمعايير المادية الصّرفة. فأولى النّاس بمجالسته وخفض الجناح لهم هم أولئك الذين أخلصوا ولاءهم لله. على أن الرّسول لم يطرد عبد الله ابن أمّ كلثوم

-وحاشاه أن يكون من الظّالمين- وإنما التّعبير بالطّرد جاء للمبالغة في تأكيد النّهي. ذلك لأن الله يريد أن يرفع من شأن دينه بحيث يعتزّ النّاس به ويرغبون فيه لا العكس. وذلك -لعمري- غاية في الصّدع بالدّعوة والتّزام أخلاقيتها، وليس على الدّاعي أن يسير مواطن النّاس إذا ءامنوا به –كما طالبه بذلك المشركون- بل عليه أن يعتبر ظواهرهم، وحسابهم بعد ذلك على الله وحده.

(وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُواْ أَهَؤُلآَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنْ بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ):

١٬٧٢٩ / ٦٬٧٦٧