سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٢٧٨وصدّرت الجملة الأولى بحرف التّأكيد حتى ييأسوا من المساومة، إذ يعلن مفاصلتهم في ما هم عليه من عبادة غير الله. وهم يدعون من دونه ما لا ينفع ولا يضرّ، والدّعاء مخّ العبادة كما يقول العلماء، وبما أن المشركين تعدّدت معبوداتهم لما هو عاقل ولغير عاقل جيء (بِالذِينَ): الدّال على العقلاء على وجه التّغليب وفي الإتيان بالفعل مجهولا في: (نُهِيتُ): يقول صاحب المنار: "وهذا النّهي يصدق بنهي الله تعالى إياه عن ذلك في ءايات القرءان الكثيرة وأمره بضدّه، -وهو دعاء الله تعالى وحده- وبنهي العقل والفطرة السّليمة. فإن النّبي عليه السلام كان قبل البعثة موحّدا، ولم يكن قطّ مشركا، ولأجل هذا قال: نهيت بالبناء للمفعول".(1)
(قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَد ضَّلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ): وبما أن المشركين ضالّون في معتقدهم بدعائهم غير الله فهم ضالّون -أيضا- في سلوكهم وأعمالهم، لأنهم لا يحكّمون عقولهم في تصرّفاتهم، كما لا يذعنون للحجة والبرهان. والرّسول مأمور أن ينفي إتباعه لأهوائهم سواء في معتقدهم الفاسد أو في سلوكهم الخبيث. لأن إتباع الهوى في ذلك مسلك ضالّ، يخرج صاحبه من عداد المهتدين، وحاشا للرسول أن يطاوعهم في ذلك أوّ ينخدع لمساومتهم: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ’ دِينِي). (فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّنْ دُونِهِ) (الزمر:14 - 15).
(1) – م 07 / ص 453.