سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٣٠٢(وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ): والخطاب للرسول، ولسائر المؤمنين بالتّبع، يأمره الله بالإعراض عن الخائضين في ءاياته، أي ذلك الفريق من المشركين المكذبين بدعوة الرّسول وهم الذين لم يكتنفوا بالتّكذيب، بل أوغلوا في الطّعن والإذاية بخوضهم في ءايات الله سخرية واستهزاء، وذلك منهم أشدّ ظلما وأشنع كفرا من أولئك الذين كان موقفهم سلبيّا. لأن الذي يسعى لتشهير والإفساد إذا ترك لشأنه فإنه يضلّ ويعزّز جانب الكفر والباطل، فإذا وقف الدّاعي منهم موقفا سلبيّا بالسّكوت عنهم وحضور مجالسهم فإنه يقوّي جانبهم ضمنيا. ولذا جاء هذا الإرشاد الإلهي في ما يعبّر -أيضا- من أخلاقيات الدّعوة بمجانبة هؤلاء ومقاطعتهم ما داموا في ذلك الخوض المشين. فإذا أمر الدّعوة يقتضي من الدّاعي أن يؤمّ مجالس القوم لنشر دعوته، وهم في كفر وعناد، ولهم قوّة وصولة، تمنع الإنكار باليد أو بالحوار الرّصين فلا أقلّ من الإنكار السّلبّي بمغادرة مجلسهم، أو بالقيام إن هم غشّوا مجلس الرّسول. حتى غاية كفّهم عن الطّعن والاستهزاء. ذلك هو ملخّص هذا التّوجيه الإلهي في مرحلة إعداد الجماعة المسلمة في مكة، وهي تمرّ بمحكّ الاختبار والتّمحيص تربّصا وانتظار الفترة المواجهة والفصل في مرحلة البناء والتّأسيس بالمدينة المنوّرة. فإذا كان لهذه الآية سبب لنزولها في مشركي مكة، فإنها على الأصحّ عامّة صالحة لكل زمان ومكان ويؤيّد ذلك ما روي عن ابن عباس وابن سيرين: أنها نزلت في أهل الأهواء والبدع من المسلمين الذين يؤوّلون الآيات بالباطل لتأييد ما استحدثوا من المذاهب والآراء.