سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٣١٧ولقد عصم الله إبراهيم من لوثة الكفر والشّرك التي يستنقع فيها قومه. فهو بفطرته السّليمة يشعر أن ما عليه أبوه وقومه من عبادة الأصنام هو الضّلال المبين. فلم يشأ أن يبقى ذلك الشّعور مبكوتا في نفسه، فما لبث أن أعلن به صراحة بصيغة الاستفهام الإنكاري في توبيخ وتقريع: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً الِهَةً): وتنكسِر كلمة أصنام مع جمعها دليل على ما أثبتناه من تعدّد ءالهة القوم وكثرتها. وقد أكّد الجملة "بإن" وبفعل "الرّؤية" بحيث يتيقن الرأئى بأن المشاهد هو الضّلال الواضح البيّن، لأن الألوهية الحقة التي ارتمست صورتها المقدسة في قلب إبراهيم، لا يمكن أن تكون في تلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ. وليس في وصفه أباه بالضّلال ما ينافي البرّ بالوالدين، لأن دعوة الحق لا يمكن أن تجامل ولا أن تراوغ في الإعلان عن طبيعتها. وكل ما ينافيها فهو ضلال وماذا بعد الحق إلا الضّلال. وليس في قولك لمن ضلّ سبيله، أنت ضالّ عن الطّريق، أية مجافاة ولا انتقاص من قدره، بينما أنت تريد إرشاده بدون تعنيف ولا شتم، وقد قال الله تعالى لرسوله: (وَوَجَدَكَ ضَآلاً فَهَدَى) (الضحى:7).