سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٨٠ولله الحجّة البالغة في ردّه القاطع، إذ أمر رسوله أن يوجّه إليهم هذا الاستفهام التقريري الذي حصرهم به بين أمرين، لابد لهم من الاعتراف بأصدقهما في الواقع فقال: (قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)، وبما أنهم لا يستطيعون ادّعاء أيّ وعد من الله في ما يمنّون به أنفسهم فلم يبق إلا الاعتراف بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويتضمن الاستفهام معنى الإنكار والتوبيخ، ثم يبطل الله دعواهم تلك بهذا الجواب القاطع الذي يحمل الحكم العام لكل الملل، ويصحّح المعتقد بما يكون في اليوم الآخر فقال جلّ من قائل: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ، فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):
فالجزاء وفق العمل المكتسب إن خيرا أو شرّا، و"بلى" إبطال لتلك الدعوى الفاسدة، أي أنتم أيها اليهود في هذا الحكم العامّ ممن سيخلّد في النار بسبب اكتسابه لسيئة ثم لا يتوب عنها، بل يدمن عليها ويستسيغها ويتمادى في اجتراح المعاصي حتى تحيط به من كل جانب بحيث لا يبقى منفذ لنور الهداية إلى قلبه.
وكلمة (سَيِّئَةً) مطلقة المعنى تتناول كل أنواع المعاصي كبيرها وصغيرها في حالة الإصرار وعدم التوبة، ومن المفسرين من خصّها بالشرك حتى ينسجم مع معتقده بعدم خلود الموحّد في النّار، ولا دليل على التخصيص.